تبلیغات
اللهم صلی علی نبینا محمد و علی آله و صحبه و سلم تسلیما کثیرا - احذر أن تجلس جلسة المغضوب علیهم !

إن نعمة الله علینا عظیمة بأن منَّ علینا أن هدانا للإیمان وكنا مسلمین، ومن أعظم نعمه علینا بأن جعل التمایز بین الحق والباطل واضحاً، فلا تمیُّع بینهما، قال رسول الله -صلى الله علیه وسلَّم-: ((قد تركتكم على البیضاء ، لیلها كنهارها ، لا یزیغ عنها بعدی إلا هالك . . .))(1)، لذلك كانت مخالفة الكفار وترك التشبه بهم من أعظم المقاصد العلیا للشریعة الإسلامیة،
وهذ المخالفة یجب أن تكون فی الظاهر كما هو بداهة بالنسبة للباطن، فإن موجب الطباع ومقتضاها یحتم أنه إذا اشترك شخصان فی نوع وصف بأن كان متشابهین ظاهراً فإن ذلك مظنة المودة، وهذا الأمر یشهد به الحس والتجربة فضلاً عن النصوص، ویؤدی إلى أمر عظیم من المودة والتآلف ثم إلى المحبة والمولاة التی تنافی الإیمان، وذلك أن الظاهر والباطن بینهما ارتباط ومناسبة، فإن ما یقوم به القلب من الشعور والحال یوجب أموراً ظاهرة، وما یقوم بالظاهر من سائر الأعمال یوجب للقلب شعوراً وأحوالاً، ذلك أن المشابهة فی الظاهر تورث تشاكلاً وتناسباً بین المتشابهین، یقود إلى موافقة ما فی الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فمن لبس ثیاب أهل العلم وجد من نفسه نوع انضمام إلیهم، ومن لبس ثیاب الجند المقاتلة یجد من نفسه تخلقاً بأخلاقهم وتطبعاً بطباعهم، وكل ما ذكرت أعلاه حاصل لا محالة إلا أن یمنع من ذلك دین أو غرض خاص(2).

وحدیثنا فی هذه المرة عن مسألة مهمة، وجدت كثیراً من الشباب قد غفلوا عنها، وذلك أنه فی شهر رمضان الفائت -تقبل الله منا ومنكم صیامه وقیامه- وأثناء انتظارى لصلاة القیام، كنت أجد بعضهم یتكئ على یسراه خلف ظهره، فأحببت أن أفید بهذه المسألة نفسی أولاً ومن ثم إخوانی، وذلك بنقل كلام العلماء والأئمة فی هذه المسألة.

ونبدأ الآن بالحدیث وطرقه، ثم نسوق ما تیسر من شرح العلماء بعده:

الحدیث:

قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدَّثَنَا عَلِیُّ بْنُ بَحْرٍ ثَنَا عِیسَى بْنُ یُونُسَ ثَنَا ابْنُ جُرَیْجٍ عَنْ إبْرَاهِیمَ بْنِ مَیْسَرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الشَّرِیدِ عَنْ الشَّرِیدِ بْنِ سُوَیْدٍ قَالَ: مَرَّ بِی رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا -أَیْ وَقَدْ وَضَعْت یَدِی الْیُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِی وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْیَةِ یَدِی- فَقَالَ : أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ؟


غریب الحدیث:

1-
الأَلیة- بفتح الهمزة- اللحمة التی فی أصل الإبهام.
2-
القِعدة -بالكسر- للنوع والهیئة.
3-
ورد فی حدیث صحیح أنَّ المغضوب علیهم فی سورة الفاتحة هم الیهود(3).


رجال الحدیث:

1-
علی بن بحر: ثقة فی صحیح البخارى تعلیقاً وأبو داود والترمذی.
2-
عیسى بن یونس: وهو ثقة أخرج له أصحاب الستة.
3-
ابن جُریج: ثقة أخرج له أصحاب الستة.
4-
ابراهیم ابن میسرة: ثقة أخرج له أصحاب الستة.
5-
عمرو بن الشرید: ثقة أخرج له أصحاب الستة والترمذی فی باب الشمائل.
6-
الشرید بن سوید: وهو صحابی -رضی الله عنه-، أخرج له البخاری فی الأدب المفرد، والترمذی فی كتاب الشمائل والباقون(4).


مظان الحدیث:

والحدیث صحیح، رواه أبو داود فی كتاب الأدب 4848، وأحمد فی بدایة مسند الكوفیین من حدیث الشرید بن سوید الثقفی -رضی الله عنه-، وفی صحیح الترغیب والترهیب المجلد الثالث كتاب الأدب وغیره رقم 3066، وفی مشكاة المصابیح المجلد الثالث أیضاً كتاب الآداب برقم 4730، وفی ریاض الصالحین رقم 824(5)، وابن مفلح فی الآداب الشرعیة، وساقه الشیخ الألبانی مع غیره فی جلباب المرأة وذلك أثناء كلامه على الزی الذی یبتعد فیه المسلم والمسلمة عن التشبه.


فقه الحدیث:

قال صاحب عون المعبود:
\"
قوله: ‏((وأنا جالس هكذا)) ‏‏:
المشار إلیه مفسر بقوله:‏
‏((وقد وضعت یدی الیسرى خلف ظهری واتكأت على ألیة یدی)) ‏‏: أی الیمنى والألیة بفتح الهمزة اللحمة التی فی أصل الإبهام. ‏
‏((فقال: أتقعد قعدة المغضوب علیهم؟)) ‏: القِعدة بالكسر للنوع والهیئة. ‏
‏قال الطیبی: والمراد بالمغضوب علیهم الیهود. ‏
‏قال القاری: فی كونهم هم المراد من المغضوب علیهم ههنا محل بحث؛ وتتوقف صحته على أن یكون هذا شعارهم, والأظهر أن یراد بالمغضوب علیهم أعم من الكفار والفجار المتكبرین المتجبرین ممن تظهر آثار العجب والكبر علیهم من قعودهم ومشیهم ونحوهما, نعم ورد فی حدیث صحیح أن المغضوب علیهم فی سورة الفاتحة هم الیهود انتهى. ‏‏والحدیث سكت عنه المنذری.\" اهــ

قال الشیخ ابن عثیمین -رحمه الله تعالى- شارحاً لهذا الحدیث فی كتاب \"ریاض الصالحین\"(6):
\"
لا یكره من الجلوس إلا ما وصفه النبی -صلى الله علیه وسلَّم- بأنه قعدة المغضوب علیهم، بأن یجعل یده الیسرى من خلف ظهره ویجعل بطن الكف على الأرض ویتكئ علیها، فإن هذه القعدة وصفها النبی -صلى الله علیه وعلى آله وسلَّم-بأنها قعدة المغضوب علیهم.
أمَّا لو وضع الیدین كلتیهما من وراء ظهره واتكأ علیهما فلا بأس.
ولو وضع الید الیمنى فلا بأس.
إنما التی وصفها النبی -صلى الله علیه وسلم- بأنها قعدة المغضوب علیهم؛ أن یجعل الیسرى من خلف ظهره ویجعل باطنها -أی ألیتها- على الأرض، ویتكئ علیها؛ فهذه هی التی وصفها النبی -صلى الله علیه وسلم- بأنها قعدة المغضوب علیهم.\" اهـ

قال الشیخ المحدث عبد المحسن العباد -حفظه الله- فی شرحه لسنن أبی داود:
\"
كما روى أبو داود فی باب الجلسة المكروهة، باب فی الجلسة المكروهة.
والمكروه -یعنی- قد یراد به المحرَّم وقد یراد به ما هو مكروه للتنزیه، ولكن كونه جاء فی الحدیث جلسة المغضوب علیهم،دلَّ على التحریم، وأنَّ هذا یدل على التحریم.
أولاً: فی حدیث الشرید بن سوید -رضی الله عنه- أنه قال: ((مرَّ بی رسول الله -صلى الله علیه وسلَّم- وقد وضعت یدی الیسرى خلف ظهری، واتكأت على ألیة یدی...)).
((
واتكأت على ألیة یدی)): ذكر فی عون المعبود تفسیره أنَّه جعل یده الیسرى خلف ظهره، واتكأ على ألیة یده الیمنى، والمقصود بالألیة هو ما كان من الراحة من جهة الإبهام، هذا یقال له ألیة الید.
ویحتمل أن یكون المقصود [بالحدیث] أنَّ كل ذلك یتعلق بالید الیسرى، وأنَّه جعلها وراء ظهره، وأنه جعل ألیتها متكأًً علیها، أی جعل الراحة التی من جهة الإبهام ولیست التی من جهة الخنصر.
((
قال أتقعد قِعدة المغضوب علیهم؟)): الاستفهام إنكار . . .(7)\" اهـ

ثم سُئل الشیخ العباد: \" فعلى هذا تكون الجلسة لو وضع یده الیمنى فقط خلف ظهره؟
الشیخ مجیباً: والله، أقول الإنسان -یعنی- لو یبتعد عن هذا، أنا ما أعرف یعنی شیئاً یدل علیه، ولكن الشئ الذی فیه شبهة یبتعد عنه الإنسان.\" اهـ

هذا ما تیسر من النقول من العلماء، فأرجو أن تكون الفائدة قد وصلت، والنفع قد عمَّ، هذا فما أصبت فیه فمن الله، وما أخطأت فیه فمن نفسی ومن الشیطان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین.