تبلیغات
اللهم صلی علی نبینا محمد و علی آله و صحبه و سلم تسلیما کثیرا - أفرأیتم الماء الذی تشربون؟!

خلق الله - تعالى - الإنسان فی هذه الدنیا وكلَّفه بمهمَّة - كما هو شأن كلِّ شیءٍ له مهمَّة - أن یعبده، ویعمرَ هذه الأرض، ویملأها خیرًا؛ قال - تعالى -: { إِلَّا لِیَعْبُدُونِ} [الذاریات: 56]، وسخَّر الله كلَّ شیءٍ لهذا الإنسان، وسخَّر هذا الإنسانُ لنفسه؛ { أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِی السَّمَوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَیْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]
وحتى یؤدِّی الإنسان مهمَّته، ویعبد الله حقَّ عبادته؛ لا بدَّ أن یتحقق فیه أمران اثنان:
: أن یكون أمامَ البلاء صابرًا.
: أن یكون أمام النِّعم شاكرًا.

إنَّ من نِعَمِ الله على الإنسان \"نعمةَ الماء\"، آیة من آیات الله، خلق الله منه الكائنات, لا غنى للناس عنه؛ فهو سبب بقائهم, وأساس حیاتهم, منه یشربون ویزرعون ویأكلون؛ {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَیْءٍ حَیٍّ أَفَلَا یُؤْمِنُونَ
} [الأنبیاء: 30].

وقال - سبحانه -: {أَفَرَأَیْتُمُ الْمَاءَ الَّذِی تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68 - 70].

إن نعمةً ذُكرت فی القرآن الكریم 63 مرةً، لجدیرةٌ بأن یقف أمامها الإنسان متفكِّرًا ومتأمِّلاً، لكن القلوب عن هذه الآیة غافلة إلاَّ مَن رحم الله، فأین المتفكِّرون؟ وأین المتأمِّلون؟ وأین هم أهل البصائر من التفكیر فی عظمة ربِّ الأرباب، وصُنع منشئ السَّحاب؟ لیقودهم ذلك إلى توحیده، وإفراده بالعبادة دون سواه.
إن الماء فی تركیبه مؤلف من هیدروجین وأوكسجین، فالهیدروجین مادة مشتعلة، والأوكسجین مادة تساعد على الاحتراق، فالهیدروجین نار، والأوكسجین نار، ولَمَّا التقیا صارت الحیاة، وصار الماء؛ {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَیْئًا أَنْ یَقُولَ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ} [یس: 82].

وإن من أسرار الحكمة الإلهیة فی الماء أنَّ الله - تعالى - لم یجعل للماء لونًا، ولا طعمًا، ولا رائحةً، كلُّ طعام وكلُّ شراب خَلَقه الله، له لون، وله طعم، وله رائحة، إلاَّ الماء؛ وذلك لحكمة عظیمة، لا یدركها إلا أهلُ البصائر والألباب؛ فلو أن طعم الماء كان حلوًا مثلاً، لصار كل شیء خالطه الماءُ حلوًا، ولصار كل شیءٍ غُسل بالماء حلوًا، ولصارت الحیاة كلها طعمها حلو، تزهقها الأنفس، وتمجُّها الألسن، ولا تستسیغها الفطر السلیمة؛ {ذَلِكَ تَقْدِیرُ الْعَزِیزِ الْعَلِیمِ} [یس: 38].

حیثما كان الماء، كان الناس، وحیثما غاض الماء، ارتحل الناس؛ فالماء رسول الرحمات، وبشائر الخیرات، وروح الأفراد والمجتمعات، وبهجة القلوب، فمع الماء الخضرة والنَّدى، والطلُّ والرِّوَى، وإذا تدفَّق الماء، تفتَّق النماء والعطاء، والهناء والصفاء، فتحیا الحقول والمزارع والحدائق، هو شریان الحیاة النابض، أغلى مفقود، أرخص موجود، فیا له من خلقٍ عجیب، جمیل المُحَیَّا، بهیِّ الطلعة، فسبحان مَن سوَّاه! سبحان من أجراه! سبحان من أنزل الماء وروَّى بها الأجساد والأفواه! إنها نعمة عظیمة جلیلة، ولكن لا یكادُ یشعر بقیمتها ویقدِّرها حقَّ قدرها إلا مَن حُرِمَها.

لو تأمَّلنا فی أحوال مَن ابتُلوا بالجدب والقحط، والجفاف والمجاعة، لعرفنا قیمة الماء، وقَدَرْنا هذه النعمة حقَّ قدرِها؛ قال - تعالى -: {قُلْ أَرَأَیْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ یَأْتِیكُمْ بِمَاءٍ مَعِینٍ} [الملك: 30].

لذلك علینا أن نحافظ على هذه النعمة \"نعمة الماء\"، وذلك بأمرین اثنین:
أولاً: بشكر الله - عز وجل - وبتقواه، فدوام النعمة مرهون بشكر المنعم - سبحانه -: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّكُمْ} [إبراهیم: 7].

ثانیًا: برعایتها وعدم الإسراف فیها؛ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31].

وإذا لم نحافظ على هذه النعمة، فإنَّ ابتلاء الله لنا بالمرصاد، فقد یَحبس عنَّا المطرَ والقطر، أو یؤخِّره علینا، أو یَنزع بركتَه منها.

لا بد أن نقف على حقیقة، هی أن نسأل أنفسنا: هل نستحق هذه الأمطارَ حقیقةً؟ هل أخذنا بأسباب نزوله، أو قد نكون بأفعالنا سببًا فی منعه؟ هل یَصدُق علینا قول الحق - جل جلاله -: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِیقَةِ لَأَسْقَیْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16]؛ أی: لو استقاموا على طریقة الهدى، وملَّة الإسلام، اعتقادًا، وقولاً، وعملاً، لأسقیناهم ماءً كثیرًا.

تعالَوا بنا نعرض شیئًا من أحوالنا؛ علَّها تكون ذِكرى نافعة، وسببًا فی تقویم سلوكنا على منهج القرآن والسنة، قال - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَیْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا یَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96].

لقد كثرت الذنوبُ والعصیان، والفسوقُ والطغیان، والظلمُ والعدوان، والتقصیر فی تحقیق التقوى والإیمان، والبُعد عن الله وعن دینه، فكان هذا سببًا فی انحباس الأمطار عنا؛ یقول أمیر المؤمنین علیٌّ - رضی الله عنه -: \"ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رُفِع إلا بتوبة\"، ویقول ابن القیم: \"وهل فی الدنیا والآخرة شرٌّ وبلاء إلا سببُه الذنوبُ والمعاصی؟\"، ویقول مجاهد - رحمه الله -: \"إن البهائم لَتلعنُ عصاةَ بنی آدم إذا اشتدَّت السَّنة، وأمسك المطر؛ تقول: هذا بشؤم معصیة ابن آدم\".
ویشهد لهذه الحقیقةِ، ویبرهن علیها حدیثُ النبیِّ - صلى الله علیه وسلم - الذی قال فیه: ((یا معشر المهاجرین، خمسُ خصالٍ، إذا ابتُلیتم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ: ما ظهرَتِ الفاحشةُ فی قوم حتى یُعلنوا بها، إلا فشا فیهم الطاعونُ والأوجاع التی لم تكن مضتْ فی أسلافهم الذین مضَوْا، ولم یَنقصوا المكیالَ والمیزان إلا أُخذوا بالسِّنینَ، وشدةِ المؤنة، وجَوْرِ السلطان، ولم یَمنعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم یُمطَروا))[1].

أمران اثنان بهما یُمنع القطر من السماء، بهما یحصل الجدب والقحط: أولهما: ((لم ینقصوا المكیال والمیزان إلا أُخذوا بالسنین))، والأخذ بالسنین من البلاء ومن العذاب، قال - تعالى - عن عذاب آل فرعون: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِینَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ یَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130].
ما هو نقص المكیال والمیزان؟

أن یغشَّ الناس فی مُعاملاتهم، البائع یحرص على غبن المشتری، فیجعل السلعة الردیئة تحت، وبعض السلعة الحسنة أعلى، یحرص على أن یطفِّف المكیال والمیزان، إن كان الأمر له بَخَس صاحِبَه، وإن كان الأمر لغیره اكتال علیه.

ثانیهما: قوله - صلى الله علیه وسلم -: ((ولم یَمنعوا زكاةَ أموالهم))، فهذا هو السبب الثانی والكبیر لانحباس وتأخُّر نزول الغیث من السماء؛ ((إلا مُنعوا القطر من السماء))، یكنزون الذهب والفضة والأموال، ولا یُخرِجون منها شیئًا، وإن أَخرجوا فدون ما أمر الله به فی النصاب؛ قال - تعالى -: {وَالَّذِینَ یَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا یُنْفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِیمٍ} [التوبة: 34]، وإذا نزلتْ قطرات من المطر، وإذا نزل غیث من السماء، ما كان ذلك إلا للبهائم ((ولولا البهائم لم یُمطروا)).

روی أن نبی الله سلیمان - علیه السلام - \"خرج یستسقی، فرأى نملة مستلقیة، وهی تقول: اللهم إنَّا خلقٌ من خلقك، لیس بنا غنًى عن رزقك، فقال سلیمان: ارجعوا فقد سُقیتم بدعوة غیركم\"[2].

إذًا المطر الذی ینزل قلیلاً، لیس لهؤلاء العصاة المُصرِّین على معاصیهم، الذین لا یقلعون عنها؛ إنما الرحمة بالبهائم، بالعجماوات، هكذا بیَّن لنا الصادق المصدوق، وإذا ما أقلع الناسُ عن معاصیهم، واستغفروا الله - تعالى - ورجوه الرحمةَ ونزول الغیث، لأغاثهم بفضله، وجُوده ومنِّه.

إنَّ التوبة النصوح والاستغفار، هو السبب فی استنزال خیرات السماء؛ قال - سبحانه وتعالى - عن نوح - علیه السلام -: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * یُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَیْكُمْ مِدْرَارًا * وَیُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِینَ وَیَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَیَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12]، ویقول - سبحانه - عن نبیِّه هود - علیه السلام -: {وَیَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَیْهِ یُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَیْكُمْ مِدْرَارًا وَیَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52].

ولیس الاستغفار باللسان دون الفعال، لا بد أن یكون الاستغفار صادقًا عملیًّا؛ قال الحسن البصری: \"استغفارنا یحتاج إلى استغفار\"[3].

فلنستغفر الله من قلوبنا، ولنجدد العهد مع الله، ولنفتح صفحة جدیدة من حیاة الاستقامة والإصلاح الشامل فی كلِّ مرافق الحیاة، فباب التوبة مفتوح للسائلین، وغناه ظاهر للطالبین، ها هو ینادی عباده للتوبة والإنابة - وهو الذی وسعتْ رحمته كل شیء -: {قُلْ یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ} [الزمر: 53].

إننا بأمسِّ الحاجة إلى تجدید التوبة من ذنوبنا، وإحسان الظن بربنا، والتسامح والتراحم وصفاء القلوب، وبِرِّ الوالدین وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجیران، ومدِّ ید العون للفقراء والمحتاجین، ودعاء الله ونحن موقنون بالإجابة، فمتى علم الله صِدقنا وتوبتنا، وإخلاصنا وتضرُّعنا، أغاثنا وجَلَب الأرزاق إلینا بمنِّه وكرمه؛ قال - تعالى -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌ أُجِیبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وقال - سبحانه -: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِی أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
 

 

ــــــــــــــــــــ

[1]   أخرجه البیهقی والحاكم وصححه، من حدیث ابن عمر - رضی الله عنهما.
[2]  
حدیث استسقاء النملة رواه الحاكم بمعناه، بإسناده عن أبی هریرة - رضی الله عنه؛ \"المجموع\"، (5/ 68).
[3]  
رُوی عن الحسن البصری - رحمه الله - كما جاء فی \"تفسیر القرطبی\"، (4/ 210).