تبلیغات
اللهم صلی علی نبینا محمد و علی آله و صحبه و سلم تسلیما کثیرا - أمُّ المؤمنین خدیجة رضی الله عنه (عربی)
یکشنبه 17 آبان 1388

أمُّ المؤمنین خدیجة رضی الله عنه (عربی)

   نوشته شده توسط: علی مرمضی    

فی بیت من البیوت العریقة وذات السمعة الطیبة والمكانة العالیة فی الحجاز ، ولدت سیدتنا خدیجة لأبوین قرشیین : فأبوها خویلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصی بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لؤی ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر من كنانة . . . من قریش ، فهو من بنی أسد . وقدمات فی حرب الفِجار ، التی قامت فی الجاهلیة فی الأشهر الحرم بین قریش وقیس عیلان ، ویومذاك كان عمر خدیجة ـ إذا ما أخذنا بروایة أن عمرها حین زواجها من الرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله أربعون سنة ـ ثلاثین سنة .
وأما أمُّها فهی فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن فهر بن لؤی بن غالب . فهی تجتمع مع زوجها خویلد فی لؤی بن غالب . . . من كنانة من قریش .
خدیجة القرشیّة الأسدیة تلتقی نسبا مع النسب الكریم لرسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله فی جدّه الرابع «قصی» ، فهو محمد بن عبداللّه‏ بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصی . . . وهی بالتالی أقرب نسائه إلیه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله .
كانت تدعی فی الجاهلیة بالطاهرة ، وسیدة نساء قریش ، وسیدة قریش . وهی یومئذ أوسط نساء قریش نسبا ، وأعظمهنّ شرفا ، وأكثرهنّ مالاً وأحسنهنّ جمالاً . . . وفی لفظ كان یقال لها سیدة قریش؛ لأن الوسط فی ذكر النسب من أوصاف المدح والتفضیل ، یقال : فلان أوسط القبیلة أعرقها فی نفسها . . .1
عمرُ خدیجة :
الاهتمام بعمرها أمر طبیعی جدّا؛ لأنه جزء من دراسة حیاتها المباركة بعد أن اقترنت برسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، وصارت حیاتها جزءا من حیاته الشخصیة والدینیة بكلِّ أبعادها .
ولكن هذا الاهتمام بدلاً من أن یولد لدینا القطع بعمرها عمّق الاختلاف فیه تبعا لاختلاف الروایات والأخبار وبالتالی الآراء عن ولادتها ، وعن عمرها وحیاتها حین اقترانها بالرسول الكریم صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، وراحت ـ اعتمادا علی تلك الروایات ـ أقوال قدماء المؤرخین بالذات وأقوال مَن جاراهم من الكتاب المحدثین توسع ذلك الاختلاف وتثبته ولم تستطع حسمه بما تقدمه من أدلة . وابتداء نشیر إلی بعض روایات سنِّها ومصادرها :
فعن ابن عباس : كانت خدیجة یوم تزوجها رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ابنة ثمان وعشرین سنة2 .
وعن حكیم بن مزاحم (ابن اخیها) : تزوج رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله خدیجة وهی ابنة أربعین سنة ، ورسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ابن خمس وعشرین سنة . ویقول مزاحم : وكانت أسنّ منی بسنتین ، ولدت قبل الفیل بخمس عشرة سنة ، وولدت أنا قبل الفیل بثلاث عشرة سنة3 (فقد ولد صلی‏الله‏علیه‏و‏آله بعد وقعة الفیل بخمسین یوما . . .)4 .
وذكر الواقدی : أنها كانت لما تزوجها رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله بنت خمس وأربعین سنة .
وعن البیهقی والحاكم : . . . وأن عمره صلی‏الله‏علیه‏و‏آله كان خمسا وعشرین وعمرها خمسا وثلاثین .
كما أن هناك من یقول : إنها ابنة 25 سنة ، أو 30 سنة . . .
یقول صاحب كتاب اتحاف الوری بأخبار أمِّ القری . . .
. . . خطب النبیُّ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله الی خدیجة نفسها ، وكانت ابنة أربعین سنة . ویقال : ابنة خمس وأربعین ویقال : . . . ثمان وأربعین سنة ویقال : . . . ست وأربعین ، وقیل : . . . ثلاثین ، ویقال : . . . ثمان وعشرین . . . .
فالأقوال إذن فی مسألة عمرها مختلفة ، وقد ذهب جلال مظهر فی كتابه : محمد رسول اللّه‏ ، سیرته وأثره فی الحضارة إلی (أنها كانت ابنة 25 سنة) دون أن یذكر سببا مرجّحا لذلك .
فی حین اعتمدت بنت الشاطئ فی كتابها نساء النبیّ روایة الأربعین ، التی اعتمدها الطبری والواقدی ورواها حكیم بن مزاحم . وهیكل هو الآخر اعتمد فی كتابه حیاة محمد ما اعتمده الطبری والواقدی .
وقد ذكر كلٌّ من الدكتور عبد الصبور شاهین وإصلاح عبدالسلام فی أمهات المؤمنین : وقد أجمعت كتب التأریخ والسیرة ، إلاّ روایة واحدة فی الطبقات علی أن السیدة خدیجة كانت فی الأربعین من عمرها ، عند زواجها . . .
إن ما ذكراه بعید عن الدقّة ، فأین هو الإجماع ، وهذه المصادر وكتب التأریخ بین أیدینا قد ذكرت روایات متعددة . . . ، وكلّها تشیر إلی الاختلاف فی سنّها؟!
وذهب ابن اسحاق ، كما فی مستدرك الحاكم ، إلی أن خدیجة كانت فی الثامنة والعشرین من العمر5 .
فی حین ذهب العقاد فی كتابه فاطمة الزهراء والفاطمیون إلی اعتماد روایة 25 ، 28 سنة ، حیث یری أن المرأة فی بلاد كجزیرة العرب یبكر فیها النمو ویبكر فیها الهرم ، فلا تتصدی للزواج بعد الأربعین .


وهذا ردّ صریح علی من أخذ بروایة الأربعین ، الذین أخذوا فی اعتبارهم أن السیدة خدیجة قد تزوجت قبل رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله من عتیق بن عائذ ومن بعده من أبی هالة زُرارة ، وأنجبت لهما أولادا ، ثم مكثت بعد وفاة زوجها الثانی مدّة لیست قصیرةً ، راغبةً فی تنمیة ثروتها وأموالها ، التی ورثتها من أبیها الذی كان ثریا ومن قبیلة ذات مال وفیر ، ومن زوجیها ، عازفةً عن الزواج الثالث؛ لأن كلّ من تقدّم لزواجها ـ كما زعم ـ إنما كان تدفعه الرغبة فی ثروتها ، ولأنها لم تجد فیهم من الشرف والأمانة والصدق ، هذه الصفات التی كانت تنشدها ، حتی تستطیع أن تأمنه علی أموالها وتجارتها . . . حتی قدر لرسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله أن یضارب بتجارتها ، وقد قبلت به لمعرفتها بأنه الصادق الأمین ، وهو الذی عُرف بهذا بینهم ، وفعلاً سافر إلی الشام ببضاعتها وعاد ببضاعة أخری وفیرة وأرباح عالیة لم تعهدها من قبل ، مع ما حدّثها عنه غلامها میسرة ، الذی كان برفقة محمد وخدمته ، فزادت معرفتها به ، وعظم تعلقها به ، ورأت فیه ما كانت تتمنی ، فتزوجته . وقد استعان أصحاب روایة الأربعین بذیل الروایة نفسها عن حكیم بن مزاحم علی تأیید ما ذهبوا إلیه ، وذیلها یقول : إنها توفیت فی شهر رمضان سنة عشر من النبوّة وهی یومئذ ابنة خمس وستین سنة6 . . .
وأُخذ علی هذا الرأی : أنها كیف أنجبت فی هذه السن المتأخرة؟!
واُجیب عن ذلك بأنه من المشاهد وجود نساءٍ قد أنجبن بعد الأربعین ، بل بعد الخمسین أیضا ، وهذا الأمر یتوقف علی توفر عوامله ، التی منها صحة المرأة واستعدادها وقابلیتها وبیئتها ، وما تعیشه المرأة من رفاهیة فی حیاتها واستقرار وراحة . . . وهو ما توفر للسیدة خدیجة . علما بأن هناك من یقول : إن آخر ما أنجبته خدیجة فاطمة الزهراء وهی فی الخمسین إن لم تكن أقل من ذلك من عمرها المبارك ، ومعنی هذا أنها لم تنجب بعد الخمسین سنة وكانت هذه الفترة 15 سنة .
فالمدائنی قال : ولدت فاطمة قبل النبوة بخمس سنین .
وفی روایة جعفر بن سلیمان : ولدت فاطمة سنة إحدی وأربعین من مولد النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله .
وعن أبی جعفر : . . . أما أنت یا فاطمة فولدت وقریش تبنی الكعبة والنبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ابن خمس وثلاثین سنة .
فهذه الروایات تبین أن فاطمة ـ وهی آخر مولود لخدیجة ـ ولدت وخدیجةُ بعدُ لم تتجاوز الخمسین من عمرها . وعلی روایة الأربعین كانت البعثة وخدیجة فی الخامسة والخمسین من عمرها . . .
وقد ترد بعض الملاحظات علی مسألة التمسك بروایة 40 وأنها قد تزوجت مرتین . . .
1 ـ لماذا هذا الاصرار علی التمسك بروایة الأربعین وعدّها هی المشهورة ، وهی روایة من عدّة روایات (45 سنة ، 28 سنة ، 25 سنة ، 30 سنة . . .) ألیس هذا ترجیحا بلا مرجح؟
2 ـ امرأة بهذا العمر (40 ، 45 سنة ، وفی أجواء كأجواء الحجاز الحارة جدّا ، التی یسرع الكبر فیها إلی الإنسان ، وقد تقدم لخطبتها ـ كما تقول الأخبار ـ أعظم قریش نسبا ومالاً ورفضتهم ، بل وتمناها وتهالك علیها كلّ شریف وعظیم ، فقد كان ممّن خطبها عقبة بن أبی معیط ، والصلت بن أبی یهاب وكان لكلّ واحد منهما أربعمائة عبد وأمة ، وخطبها أبو جهل بن هشام ، وأبو سفیان7 ، فهل كلّ هذا یكون من أجل امرأة بهذه السنّ المتأخرة ، ومن أجل امرأة عاشت ببیتین (بیت عتیق ، وبیت «أبو هالة») ، وأنجبت واحدا علی روایة ، واثنین علی روایة أخری ، وثلاثة علی روایة ثالثة ، وهم (هند والحارث وبنت اسمها زینب)8 ، وترملت بعدهما وعاشت سنین أخری؟! أو یصح هذا وهم قادرون بما عندهم من شرف ومال وجاه أن یتزوجوا بما یحلو لهم من النساء من بیوتات عربیة أخری ذات شرف وعفة ومال وجمال؟!
ثم إن زوجیها السابقین لم یكونا بدرجة عالیة من المكانة ، ومع هذا قبلت بهما وهی فی شبابها . . . فكیف وقد تقدم بها العمر ترفض زعماء قریش وأشرافها؟! وإن قیل إنها قررت تنمیة ثروتها ، فإن هذا ادعاء سطرته أقلامُ الكتاب ، ولا یصلح أن یكون مبررا یفرض علیها ما دامت لم تصرح به ، علما بأن فی قبال هذا الادعاء ادعاءً یقول : إنها إنما رفضتهم جمیعا؛ لعدم توفر الصفات التی تریدها فیمن تقدم لخطبتها ، وهو ادعاء اقوی من ادعاء الكتّاب؛ لأنه من أقرب الناس لها .
قال ابو القاسم الكوفی : إن الإجماع من الخاص والعام ، من أهل الأنام ونقلة الأخبار ، علی أنه لم یبق من أشراف قریش ، ومن ساداتهم ، وذوی النجدة منهم ، إلاّ من خطب خدیجة ، ورام تزویجها ، فامتنعت علی جمیعهم من ذلك ، فلما تزوجها رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله غضب علیها نساء قریش وهجرنها ، وقلن لها : خطبك أشراف قریش ، وأمراؤهم فلم تتزوجی أحدا منهم ، وتزوجت محمدا یتیم أبی طالب فقیرا ، لا مال له؟! فكیف یجوز فی نظر أهل الفهم أن تكون خدیجة ، یتزوجها أعرابی من تمیم ، وتمتنع من سادات قریش ، وأشرافها علی ما وصفناه؟! ألا یعلم ذوو التمییز والنظر أنه من أبین المحال ، وأفظع المقال؟!9
3 ـ وفی الاستغاثة ذكر بعض أنه كانت لخدیجة أخت اسمها هالة10 تزوجها رجل مخزومی ، فولدت له بنتا اسمها هالة ، ثم خلف علیها رجل تمیمی یقال له أبو هند فأولدها ولدا اسمه هند . . . وكان لهذا التمیمی امرأة أخری قد ولدت له زینب ورقیة ، فماتت ومات التمیمی ، فلحق ولده هند بقومه وبقیت هالة أخت خدیجة والطفلتان اللتان من التمیمی وزوجته الأخری؛ فضمتهم خدیجة إلیها ، وبعد أن تزوجت بالرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ماتت هالة ، فبقیت الطفلتان فی حجر خدیجة والرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله . . . وكان العرب یزعمون أن الربیبة بنت ، ونسبتا إلیه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، مع أنهما ابنتا أبی هالة زوج أختها ، وكذلك كان الحال بالنسبة لهند نفسه11 .
أرید من هذا كله أن أقول : إن ما یناسب صفات هذه السیدة ، وما یلائم كلّ ما قیل بحقّها ، ورغبة الآخرین فیها ، وما یبعدنا عن مسألة كلّ ما یرد من إشكالات حول عمرها وقدرتها علی الانجاب ، وما دامت الروایات كلها قد تكون بمستوی واحد ولیس لواحدة علی الأخری ترجیح ، أری أن الأخذ بروایة 25 ، أو 28 كما ذهب إلیه العقاد أولی ، لأن هاتین الروایتین تناسبان واقع حیاة هذه المرأة لا غیر .
أما زواجها السابق لمرتین فهو أیضا محل تأمل وتوقف ، وقد وردت أدلة وأقوال علی أنها باكر كما ذهب إلی ذلك كلّ من أحمد البلاذری ، وأبو القاسم الكوفی فی كتابیهما ، والمرتضی فی الشافی ، وأبو جعفر فی التلخیص : أن النبی تزوج بها وكانت عذراء ، هذا ما نقله ابن شهر آشوب فی المناقب فی ترتیب أزواجه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، حیث یقول : تزوج بمكّة أولاً خدیجة بنت خویلد؛ قالوا : وكانت عند عتیق بن عایذ المخزومی ومن ثمّ عند أبی هالة زرارة بن نباش الأسدی .
وروی أحمد البلاذری ، وأبو القاسم الكوفی فی كتابیهما ، والمرتضی فی الشافعی ، وأبو جعفر فی التلخیص : أن النبیّ تزوّج بها وكانت عذراء ، یؤكد ذلك ما ذكر فی كتابی الأنوار والبدع : أن رقیة وزینب كانتا ابنتی هالة أخدت خدیجة12 .
الزواج المبارك :
استجمعت أحاسیسها وراحت تستمع فرحةً مسرورةً لحدیث غلامها میسرة ، الذی صحب النبیّ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله وهو یضارب فی تجارة لخدیجة فی الشام ، وراح یحدثها عن سیرة محمد معه وعن أخلاقه وطباعه وصفاته الجمیلة ، وعمّا كان یراه من كراماته التی لم یر میسرة مثیلاً لها من قبل علی كثرة سفراته مع آخرین ، فأعجبت به ، وقد أسر كلَّ مشاعرها ، وامتلك كلَّ عواطفها ، وتحرّكت فی قلبها أسراره ، وكأنها ترید لهذا الحدیث ألاّ یتوقف أو ینتهی ، ثم راحت تحدّق فی مستقبل فتی بنی هاشم الصادق الأمین ، الذی غدا صدقه یملأ الآفاق ، وأمانته یلهج بها كلّ لسان ، ماذا یخبئ المستقبل لهذا الیتیم الهاشمی ، وما هو ذاك الشأن العظیم الذی ینتظره؟!
لقد تمثلت أمام عینیها شخصیته بكلّ ما فیها من نبل صفاته ورقة شمائله ، وعظیم وكرم أخلاقه ، وجمال روحه وشرفه وفضله علی الجمیع .
لاحت من میسرة نظرة إلی سیدته ، فردّت طرفها وعلتها العفة وهی أنبل نساء عصرها حیاءً وأعظمهنّ خُلقا . . . فانقلبت غبطتها تلك وفرحتها إلی حبٍّ لم تحسّ به من قبل ، والی ودٍّ ما لامس مثله أحاسیسها أبدا ، وإلی إكبار وتكریم ولجا قلبها ملأ كلّ منهما علیها حیاتها . . . وهی التی تمرّدت علی واقع نساء قومها ، وامتنعت أمام أعظم قریش شرفا ونسبا وثراء ومكانة . . . فالتفتت بعد حین إلی أختها علی قول وإلی صدیقتها نفیسة بنت منبه علی قول آخر؛ لتسرّها بأن ما قاله میسرة عن محمد قد نفذ إلی روحها ، وأنها وجدت فیه ما كانت تتمناه ولم تجده فیمن تقدم لخطبتها ، فما كان من نفیسة ـ وقد سرّت بما سمعته ـ إلاّ أن بادرت إلیه ـ علی روایة ـ فقالت له : ما یمنعك أن تتزوج؟
قال : ما بیدی ما أتزوج به .
قالت : فإن كفیت ذلك ، ودُعیت إلی الجمال والمال والشرف والكفاءة ، ألا تجیب؟
قال : فَمن هی؟!
قالت : خدیجة .
قال : كیف لی بذلك؟!
فقالت نفیسة ، وقد علت ملامح وجهها الفرحةُ : علیّ ذلك ، وسارعت لتبلغ خدیجة بما سمعته من محمد .
وفی روایة : . . . وكانت لبیبةً حازمةً ، فبعثت إلیه تقول : یا ابن عمِّ ، إنی قد رغبتُ فیك لقرابتك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حدیثك13 .
لقد خصّها اللّه‏ بكرامة ادّخرها لها ، وكانت له من الشاكرین ، واختارها لمكانتها وصفاتها لتكون امرأة خاتم رسله ، وسید الأولین والآخرین محمد ابن عبداللّه‏ .
لم یتأخر محمد فی إبلاغ عمّه (أبو طالب) وعشیرته بذلك ، كما لم تتأخر خدیجة فقد أبلغت عمّها عمرو بن أسد ، الذی حضر ، ودخل رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله علیه فی عمومته ، ومعه بنو هاشم وسائر رُؤساء مُضَر ، فخطب أبو طالب فقال : الحمد للّه‏ الذی جعلنا من ذریة إبراهیم ، وزرع إسماعیل ، وضئضئ مَعَدّ ، وعُنصر مُضر ، وجعلنا حَضَنَة بیته ، وسُوّاس حَرمِه ، وجعل لنا بیتا محجوبا ، وحرما آمنا ، وجعلنا الحكام علی الناس ، ثم إنّ ابن أخی هذا محمد بن عبد اللّه‏ لا یُوزن به رجل من قریش إلاّ رجح به شرفا ونُبلاً وفضلاً وعقلاً ، فإن كان فی المال فلا ، فإن المال ظلّ زائل ، وأمر حائل ، وعاریة مسترجعة . ومحمد مَن قد عرفتم قرابته ، وقد خطب خدیجة ، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالی هذا ، وهو مع هذا ـ واللّه‏ ـ له نبأ عظیم ، وخطر جلیل أو «له واللّه‏ خطب عظیم ونبأ شائع» . فتزوجها وأصدقها عشرین بكرة ، وقیل اثنتی عشرة (اثنتین وعشرین) أوقیه ذهبا ونشا (نصف اوقیة) ، والأوقیة أربعون درهما ، والنش عشرون درهما؛ فذلك خمسمائة درهم .
وفی روایة ـ فقال لأعمامه . . ، فجاء معه حمزة عمّه حتی دخل علی خویلد [خویلد بن أسد ، وقیل : بل عمرو بن خویلد بن أسد ، وقیل بل عمرو بن أمیة عمّها ، وكان شیخا كبیرا وهو الصحیح ، علی ما فی نهایة الأرب 16/98 ، وعند ابن سعد فی الطبقات 1/132 وعن جمهرة النسب للكلبی ص74 وهو عمرو بن أسد ابن عبد العزّی ، وهو یومئذ شیخ كبیر لم یبق لأسد لصُلبه یومئذ غیره ، ولم یلد عمرو ابن أسد شیئا14] .
إذن فقد اشتهر أن عمّها عمرو بن أسد ، هو الذی زوّجها ، وإن قیل : إن الذی زوجها أخوها عمرو بن خویلد؛ لأن أباها مات قبل حرب الفِجار ، وهذا كلّه یكذب المزاعم ، التی رویت من أن أباها زوّجها بعد أن سقته خمرا . . . لتحصل بذلك علی موافقته؛ لأنه لا یوافق من تزویجها من فقیر یتیم . . .
ففی روایة أحمد فی مسنده :
حدّثنا أبو كامل ، ثنا حمّاد ، عن عمّار ابن أبی عمار ، عن ابن عبّاس ـ فیما یحسب حمّاد ـ أن رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ذكر خدیجة ، وكان أبوها یرغب عن أن یزوّجه ، فصنعت هی طعاما وشرابا ، فدعت أباها وزُمرا من قریش فطعِموا وشربوا ثم ثَمِلوا ، فقالت لأبیها : إن محمدا یخطبنی فزوِّجنی إیّاه ، فزوَّجها إیاه ، فخلَّقته (طیبته ، وفی المسند «فجملته») وألبسته حُلّةً كعادتهم ، فلما صحا نظر ، فإذا هو مخلّق فقال : ما شأنی؟ فقالت : زوّجتنی محمّدا ، فقال : وأنا أزوّج یتیم أبی طالب! لا لعمری ، فقالت : أما تستحی؟ ترید أن تسفّه نفسك معی عند قریش بأنك كنت سكران ، فلم تزل به حتی رضی .
وقد روی طرفا منه الأعمش ، عن أبی خالد الوالبی ، عن جابر بن سُمرة أو غیره .
كما ذكر مختصر تاریخ دمشق روایة نسبت إلی عمار بن یاسر تشبه هذه الروایة .
وهذا ما نفاه الواقدی بعد نقله بقوله :
وهذا غلط ، والثبت عندنا المحفوظ من حدیث محمد بن عبداللّه‏ بن مسلم ، عن أبیه ، عن محمد بن جبیر بن مطعم ، ومن حدیث ابن أبی الزّناد ، عن هشام ابن عُروة ، عن أبیه ، عن عائشة . ومن حدیث ابن أبی حبیبة ، عن داود بن الحُصین ، عن عكرمة ، عن ابن عباس؛ أن عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسولَ اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، وأن أباها مات قبل الفجار15 .
وقد بلغت تلك الروایة من الضعف والسخف درجة كبیرة ، فهی إضافة إلی منافاتها لأخلاق هذه السیدة المباركة حتی قبل زواجها برسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، فقد شهد لها ـ فی الجاهلیة ـ بسمو الخلق والنجابة والشرف وبرجاحة عقلها وقوة شخصیتها ، مع ما لها من المكانة الكبیرة عند أهلها وعشیرتها ، ممّا جعلها موضع فخر واعتزاز وممّا یؤهلها لاقناع أبیها ـ علی فرض حیاته ـ بهذا الزواج . یقول صاحب السیرة الحلبیة عنها : امرأة حازمة أی ضابطة جلدة أی قویة شریفة أی مع ما أراد اللّه‏ تعالی لها من الكرامة ومن الخیر . . . فامرأة تحمل هذه الصفات لا أظنها بحاجة إلی أن تستعین بأسلوب یتنافی مع كلّ ما مَنّ اللّه‏ تعالی علیها من صفات كریمة ، وقد وصفت خدیجة نفسُها هذا الأسلوب ـ حسب الروایة ـ بقولها إلی أبیها : ترید أن تسفه نفسك معی عند قریش بأنك كنتَ سكران . فهو إذن أمر معیب عندهم فكیف ترتكبه؟! وإضافةً إلی هذا فإن الروایة تتنافی مع الروایة الأخری التی نالت إجماع أكثر المؤرخین من أن أباها توفی من قبل وأن عمّها هو الذی زوجها ، وعلی روایة ضعیفة أن أخاها زوجها .
وتمّ هذا الزواج المبارك ، بعد رجوع النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله من سفره إلی الشام بشهرین وخمسة وعشرین یوما ، وقبل بعثته نبیّا بخمس عشرة سنة ، وبعد أن أكمل صلی‏الله‏علیه‏و‏آله خمسا وعشرین سنة وشهرا وعشرة أیام من عمره المبارك16 ، وأخذت هذه السیدة مكانها الذی اختارتهُ السماء لها لتكون بجانبه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله وهو یستعد لتحمل مهام أعظم رسالة سماویة إلی الناس كافة ، فكانت للرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله نعم الزوجة ونعم السكن ونعم النصیر ، وكان لها أحسن حظ طالما انتظرته وتمنته ، ولم ینجو هذا الاقتران من حسدٍ وبغضٍ وغضب ، فقد أحدث هزّة بین الرجال ، الذین سبق لهم أن توافدوا علی عتبة بابها ، وهم یحملون معهم كلّ المغریات لیخطبوا یدها ، إلاّ أنهم عادوا من حیث أتوا خائبین بعد أن رفضتهم ، ولم تعبأ بما حملوه معهم من مال ، ولم یجد شرفهم وزعاماتهم أیّ أثر فی نفسها . فلاذ بعضهم بالسكوت ، والبغض والحسد یأكلان قلبه ، فی حین لم یتمالك بعض آخر أحاسیسه ولسانه فقال : ما هذا إلاّ سحر ، مسكینة خدیجة ، فقد سحرها الیتیم فشغفت به .
كما غضب علیها نساء قریش وهجرنها ، وقلن لها : خطبك أشرافُ قریش ، وأمراؤهم ، فلم تتزوجی أحدا منهم ، وتزوجت محمدا یتیم أبی طالب ، فقیرا لا مال له؟!
فما كان من خدیجة ـ بعدما سمعت بذلك كلّه ـ إلاّ أن صنعت طعاما ودعت نساء قریش وكان بینهن نساء المبغضین فلما اجتمعن وأكلن قالت لهن : معاشر النساء بلغنی أن بعولتكن عابوا علیَّ فیما فعلته من أنی تزوجت محمدا ، وأنا أسألكم هل فیكم مثله ، أو فی بطن مكّة شكله من جماله وكماله وفضله وأخلاقه الرضیّة؟! وأنا قد أخذته لأجل ما قد رأیتُ منه ، وسمعت منه أشیاء ما أحد رآها ، فلا یتكلم أحد فیما لا یعنیه ، فكفّ كلّ منهن ومنهم عن الكلام17 .
وقد تابع الزوجان حیاتهما المباركة هذه ، وجهادهما الدؤوب ، وقدر لخدیجة أن تكون فی قلب الأحداث الجسام المملؤة بالآلام والشدائد المضنیة ، ووهبت كلّ ما تملكه من ثروة وهو كثیر ووضعته بین یدی رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله لیضمّه إلی سیف علی علیه‏السلام .
أنجبت له صلی‏الله‏علیه‏و‏آله كلّ أولاده إلاّ إبراهیم فهو من ماریة القبطیة . وهم القاسم وبه كان صلی‏الله‏علیه‏و‏آله یكنی والطیب والطاهر ـ علی قول ـ وقد ماتوا صغارا رضعا قبل بعثته المباركة، ورقیة وزینب ـ علی قول ـ وأمّ كلثوم وفاطمة الزهراء التی تزوّجها الإمام علی علیه‏السلام .
ولم یتزوج رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله غیرها طیلة حیاتها المباركة معه ، التی دامت قرابة خمس وعشرین سنةً .
إسلامها :
من بركات اللّه‏ تعالی الخاصة بهذه المرأة أن مَنّ علیها بأن اختارها لتكون أول نساء العالمین إسلاما وأسبقهن تصدیقا برسول اللّه‏ ودعوته ، وأخلص نسائه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله جهادا ، وأعظمهن وفاءً وطاعة له ، وأصبرهن تحملاً لما لاقاه رسول اللّه‏ من ضروب الأذی والتضییق ، وأكثرهن بذلاً وعطاءً فی سبیل اللّه‏ ورسوله ، فعن عبداللّه‏ بن مسعود : إن أول شیء علمت من أمر رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله قدمتُ مكة مع عمومة لی أو ناسٍ من قومی نبتاع منها متاعا ، فكان فی بغیتنا شراء عطر ، فأرشدنا إلی العباس بن عبدالمطلب ، فانتهینا إلیه وهو جالس إلی زمزم ، فجلسنا إلیه ، فبینا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبیض ، . . . كأنه القمر لیلة البدر ، یمشی علی یمینه غلام ، حسن الوجه . . . تقفوهم امرأة ، قد سترت محاسنها ، حتی قصد نحو الحجر فاستلمه ثم استلمه الغلام ، واستلمته المرأة ، ثم طاف بالبیت سبعا والغلام والمرأة یطوفان معه ، ثم استقبل الركن ، فرفع یدیه وكبّر ، وقامت المرأة خلفهما ، فرفعت یدیها وكبرت ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع رأسه من الركوع ، فقنت ملیّا ، ثم سجد وسجد الغلام معه والمرأة ، یتبعونه ، یصنعون مثلما یصنع ، فرأینا شیئا أنكرناه ، لم نكن نعرفه بمكة ، فأقبلنا علی العباس فقلنا : یا أبا الفضل ، إن هذا الدین حدث فیكم ، أو أمر لم نكن نعرفه فیكم . قال : أجل ، واللّه‏ ، ما تعرفون هذا؟ قال : قلنا : لا ، واللّه‏ ما نعرفه ، قال : هذا ابن أخی محمد بن عبداللّه‏ ، والغلام علی بن أبی طالب ، والمرأة خدیجة بنت خویلد امرأته أما ، واللّه‏ ، ما علی وجه الأرض أحد نعلمه یعبد اللّه‏ بهذا الدین إلاّ هؤلاء الثلاثة .
لقد آمنت برسول اللّه‏ ، ولم یسبقها إلی ذلك إلاّ الإمام علی علیه‏السلام كیف لا یكون كذلك ، وقد قرأت ـ بما ألهمها اللّه‏ تعالی ، وبما منحها من قدرة وحكمة وبصیرة ونظرة ثاقبة لمستقبل الصادق الأمین ـ مستقبله وأنه ذو شأن كبیر ومقام كریم ومنزلة محمودة؟!
لقد واكبت مسیرته المباركة وهو فی غار حراء ، بخدمتها الصادقة وكلماتها الطیبة ، التی تدل علی مدی اخلاصها ونباهتها وصفائها : «وهیأت خدیجة لزوجها ما یناسبه من حیاة ، فلما لجأ للتحنث فی غار حراء ، كانت تعدُّ له ما یحتاجه من طعام وشراب خلال الفترة ، التی اعتكف فیها بالغار ، فلما جاءه الوحی كانت أول من صدقه ، وعانت معه صراع قریش ضده ، وكانت البلسم الشافی لجراحه من هؤلاء المعتدین ، ودخلت معه الشعب عندما قرر سادة قریش أن یقاطعوا المسلمین . . .»18 .
كانت تسمعه كلمات رقیقة هادئة كلما دخل بیتها عائدا من غار حراء ، كلمات ملؤها الحنان والحب . تدعوه أن یطمئن ، وتدعوه أحیانا أن یهدأ وینام ، فكان یقول لها : مضی عهد النوم یا خدیجة . لقد كانت كلماتها تلاحقه وهو فی بیته ، وهو خارج منه ، وهو فی الغار ، وهو یدعو عشیرته للإیمان ، وهو فی دار الارقم یدعو الناس سرا، وهو فی كل مكان فی مكة یقارع قریشا وشركها جهرا ، وهو یری أعداءه والمتربصین به ، والمبغضین له ، فكانت تخفّف عنه كلّ معاناته وكلّ ما یلقاه من أذی وتكذیب وعنت من قومه .
وكان صلی‏الله‏علیه‏و‏آله یصرّح ویفضی لها بكلّ شیء یقول ابن هشام فی سیرته : وآمنت به خدیجة بنت خویلد ، وصدقت بما جاءه من اللّه‏ ، ووازرته علی أمره ، . . . فخفف اللّه‏ بذلك عن نبیه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، لا یسمع شیئا ممّا یكرهه من ردّ علیه وتكذیب له ، فیحزنه ذلك ، إلاّ فرّج اللّه‏ عنه بها إذا رجع إلیها ، تثبته وتخفف علیه ، وتصدقه وتهوّن علیه أمر اللّه‏ ، رحمها اللّه‏ تعالی19 .
ومن كلماتها له صلی‏الله‏علیه‏و‏آله أیضا : أبشر ، فواللّه‏ ، لا یخزیك اللّه‏ أبدا ، واللّه‏ ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحدیث ، وتؤدی الأمانة ، وتحمل الكلَّ ، وتقری الضیفَ ، وتعین علی نوائب الدهر .
فی شعب أبی طالب :
ما انفكت قریش تصعد عداءها لرسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ودعوته الجدیدة ، ولم یتوقف عملها فی تجذیر ذلك العداء فی نفوس أبنائها قولاً وعملاً . وكلما ازداد رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله وصحبه التزاما بموقفهم وثباتا علی مبادئهم ازداد عداءُ قریش لهم وأذاها . وقد رأت أن أهله وعشریته قد وفروا له الرعایة والحمایة ، فعزمت علی شنّ حملتها علی هذه الاسرة ، وارتأت أن تتخذ وسیلة غیر الحرب فی أول أمرها فلعلّها تصل إلی أهدافها دون قتال وما یجرّه هذا القتال من ویلات وانقسامات بین قبائلها . فاجتمع زعماؤها وكتبوا الصحیفة ، التی قرروا فیها :
مقاطعة بنی هاشم علی المستویات الاجتماعیة والاقتصادیة فلا یتزوجون منهم ، ولا یزوجونهم ، ولا یبیعون لهم ولا یشترون منهم ، ولا یكلمونهم ، ولا یزورون مرضاهم ، ولا یشیعون موتاهم ، وأكرهوهم أن یلزموا الشِّعب وهو طریق بین جبلین .
أما نتائج هذه المقاطعة ـ التی استمرت حوالی ثلاث سنوات ـ فقد كانت قاسیة جدّا علی بنی هاشم ، ومسّهم بسببها الضرّ بل الجوع والحرمان . . . ولم تنقض إلاّ بعد أن أشفق بعض القرشیین علی بنی هاشم بسبب ما نالهم من أذی وعذاب ، فخرقوا هذه الوثیقة ، وعادوا إلی الاتصال بهم20 وهناك روایة : أن الأرضة أتت علی كلّ شیء فی الصحیفة ، ولم تدع إلاّ اسم اللّه‏ جلّ وعلا وقد أوصی اللّه‏ لمحمد بذلك ، فنقل ذلك إلی عمّه أبی طالب ، فتحدی أبو طالب جماعة المشركین ، وأحضروا الصحیفة فظهر صدق محمد .
هذه خلاصة المقاطعة ، التی كانت خدیجة ضحیةً من ضحایاها ، فقد أصابها الضر أیما إصابة ، وعانت معاناة عظیمة من آثار هذه المحاصرة الظالمة ، ولكنها لاذت بالصبر ، ووقفت إلی جانب رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله موقفا ، یندر أن تقف مثله امرأة ، وكان لشخصیتها ومكانتها وهیبتها فی النفوس الأثر الكبیر ، إلی درجة أنها صارت من أسباب قیام خلافٍ ونزاعٍ أدّی إلی انهیار موقف قریش ، وترك العمل بالصحیفة وفشل المقاطعة .
ففی السیرة النبویة21 : أن أبا جهل لقی حكیم بن حزام بن خویلد ، ومعه غلام یحمل قمحا إلی خدیجة بنت خویلد زوجة الرسول وعمّة حكیم ، فتعلق به أبو جهل ، وقال : أتذهب بالطعام إلی بنی هاشم ، واللّه‏ ، لا تبرح أنت وطعامك حتی أفضحك بمكة ، فجاءه أبو البختری ، وقال له : مالك وله؟ إنه طعام كان لعمته رغبتْ إلیه فیه ، فكیف تمنعه؟ فأبی أبو جهل ، وقام نزاع كان من أسباب إغفال الصحیفة ونهایة المقاطعة .
كما كان لهشام بن عمرو بن الحارث العاملی الذی كان من أقرباء خدیجة دور آخر فی بذر الخلاف بین زعماء المقاطعة ، فقد كان أكثر الناس إقداما علی مساعدة المحصورین المقاطعین ، فكان یدخل أحمال الطعام إلی بنی هاشم فی الشعب . . . وأرادت قریش معاقبته .
فانبری أبو سفیان وقال : دعوه ، رجل وصل رحمه ، أما واللّه‏ إنی أحلف باللّه‏ لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن22 .
مكانتها فی قلب الرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله
لم تتحمل أمّ المؤمنین عائشة وهی تری رسولَ اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله یذكر خدیجة ، فقالت : ما زلتَ تذكر بحسرة وألم عجوزا من عجائز قریش حمراء الشدقین ، هلكت من عدة سنین ، وقد أبدلك اللّه‏ُ خیرا منها!
فما كان من رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله بعد أن تغیر وجهه الكریم ، إلاّ وزجرها غاضبا ، وقال : «واللّه‏ِ ما أبدلنی اللّه‏ خیرا منها» ولم یكتف صلی‏الله‏علیه‏و‏آله بهذا بل راح یذكر مناقبها ـ التی ما فتئ یعیشها صلی‏الله‏علیه‏و‏آله فی حیاته المباركة ـ : «آمنت بی حین كفر الناس ، وصدقتنی إذ كذبنی الناس ، وواستنی بمالِها إذ حرمنی الناس ، ورزقنی منها اللّه‏ُ الولدَ دون غیرها من النساء . . .
فقالت عائشة فی نفسها : واللّه‏ لا أذكرها بعدها أبدا23 .
وقبل ذلك لم تتوقف غیرة أمّ المؤمنین عائشة من أمّ المؤمنین خدیجة ، التی احتلت تلك المكانة العظیمة من قلب رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله وظهر ذلك كلّه فی مواقف عملیة للرسول الكریم ، حتی بعد وفاتها سلام اللّه‏ علیها .
رأته عائشة یوما وقد ذبح شاةً یقول : أرسلوا إلی أصدقاء خدیجة منها ، وهنا أیضا ، لم تتوقف عائشة عن أن تسمعه شیئا ، فقال : «إنی لأحبّ حبیبها»24 .
وظلت الغیرة لا تنفك عن قلبها من سیدتنا خدیجة ، لا لشیء ـ فالأمر كلّه بعد موتها ـ إلاّ لأنها سبقتها إلی نفس رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله وإلی قلبه فاحتلته بما امتلكته من خلق عالٍ وشرف رفیع وایمان صادق وجهاد خالص وذكر طیب ، وبما قدمته من حیاتها التی استرخصتها وثروتها وأموالها ، كلّ ذلك وضعته بین یدیه المباركتین؛ لنیل مرضاة اللّه‏ ولتُعینه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله وهو یحمل أعظم رسالة وأخطر مسؤولیة تبلیغیة تغییریة عرضتها السماء وعرفتها الإنسانیة .
وحینما نصره اللّه‏ تعالی وفتحت أبواب مكة له ـ وكان وقتها قد مرّ علی وفاتها أكثر من عشر سنوات ، وكانت كلّ تلك السنین ملیئةً بالأحداث والشؤون المریرة ، ولكنها مع كلّ ذلك لم تشغله عن ذكره لخدیجة ـ أقام فی قبة ضربت له هناك إلی‏جوار قبرها ـ حیث روحها التی تخفق حوله فتریحه وتؤنسه وترافقه وهو یشرف علی فتح مكة ، ویطوف بالكعبة ، ویحطم رموز الكفر والشرك ، وهو بین لحظة وأخری یرمق دارها حیث نبع الحب وحیث السكینة والمودة والحنان والتضحیة .
وفیما قالته أمّ المؤمنین عائشة ، كان رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله إذا ذكر خدیجة لم یكد یسأم من ثناء علیها واستغفار . فذكرها ذات یوم فاحتملتنی الغیرة ، فقلتُ : لقد عوضك اللّه‏ من كبیرة السن ، قالت : فرأیت رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله غضب غضبا أُسقطتُ فی جلدی ، وقلتُ فی نفسی : اللهم إنك إن أذهبت غضبَ رسول اللّه‏ عنی ، لم أعد أذكرها بسوء ما بقیت . فلما رای النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ما لقیت ، قال : كیف قلت؟ واللّه‏ ، لقد آمنت بی إذا كفر بی الناس ، وآوتنی إذ رفضنی الناس ، وصدقتنی إذ كذبنی الناس ، ورزقتْ منی الولد إذ حرمتُموه منی .
قالت : فعدا وراح علیّ بها شهرا .
أما ما ورد فیها عن رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله :
ـ فعن عبداللّه‏ بن جعفر بن أبی طالب رضوان اللّه‏ تعالی علیهما : أن رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله قال : أمرتُ أن أُبشر خدیجة ببیت من قصب ، لا صخب فیه ولا نصب .
قال ابن هشام : القصب ههنا : اللؤلؤ المجوَّف25 .
ـ وعن عائشة ، قالت : ما غرتُ من أحد ما غرتُ علی خدیجة ، ولقد هلكت قبل أن یتزوجنی رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله بثلاث سنین ، ولقد أمر أن یبشرها ببیت من قصب فی الجنة26 .
ـ وقال ابن هشام : وحدثنی من أثق به ، أن جبریل علیه‏السلام أتی رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، فقال : أقرئ خدیجةَ السلام من ربِّها ، فقال رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله : یا خدیجة ، هذا جبریلُ یُقرئك السلام من ربك ، فقالت خدیجة : اللّه‏ُ السلامُ ، ومنه السلامُ ، وعلی جبریل السلامُ .
عام الحزن :
شاءت السماء أن تمتحن هذا القلب الكبیر ، وقد امتحنته مرات ومرات ، ولكن هذه المرّة فی زوجته التی أبت إلاّ أن تعیش كبیرة وتموت كبیرة ، والتی كانت له وزیرَ صدق علی الإسلام27 ، وكانت شریكته فی حیاته كلّها ، فی دعوته ، وفی تبلیغه لها ، وفی جهاده وتضحیاته .
لقد رحلت عنه فی السنة العاشرة من البعثة النبویة ، ودفنت فی مقبرة الحجون بمكّة بعد أن رحل قبلها ـ بشهور علی قول وبأیام علی قول آخر ـ عمّه أبو طالب الذی كان له عضدا وحرزا فی أمره ، ومنعة وناصرا علی قومه28 .
لقد رحلت هذه المرأة العظیمة ، لتنتهی برحیلها ورحیل أبی طالب العم المدافع والمحامی القوی أولی مراحل رسالة السماء ، التی شكلت الفترة المكّیة الأولی بكلّ آلامها وأحداثها ، كما كانت الفترة التأسیسیة لهذه الرسالة المباركة ، وكان لوجودیهما المباركین الأثر العظیم فی تشكیل تلك المرحلة التی دامت قرابة عشر سنوات وفی بقائها واستمرارها وثباتها .
لقد رحلت هذه السیدة المباركة ، بعد أن وصل نداء الإسلام الحبشة ، وتجاوز صداه بقاع الحجاز ، وبعد أن حملته قلوب صادقة ونفوس مضحیة ، وأیادٍ قویة . . .
رحلت هذه السیدة الجلیلة ، وغابت عن دنیاه ، ولكنها لم ترحل عن قلبه النابض بمواقفها الصادقة .
رحلت هذه المرأة المباركة ولكنها ظلت ماثلة دائما أمامه ، ولم ینس ذكراها أو یتأس عنها ، أو یدخل قلبه غیرها ، أو یحتل مكانها منه ، بل ولم تستطع أیّ واحدة من نسائه ـ مهما بذلت من جهدٍ ـ أن تبعد طیفها عنه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله ، وهو الذی ما فتئ یذكرها ، وكان ذكره لها یثیر غیرة بعض نسائه ، وكانت أشدهن غیرة أمّ المؤمنین عائشة ، فبذلت ما تستطیعه من أجل أن تنسیه ذلك الطیف الجمیل وتلك الذكری العطرة ، أو أن تخمد أو علی الأقل تخفّف ذلك من قلبه فما استطاعت ، مع أنها كانت فی مطلع صباها ونضارة شبابها . .
فسلامٌ علی خدیجة فی الخالدین


http://laquitashenton.wordpress.com
چهارشنبه 18 مرداد 1396 06:12 ب.ظ
Pretty nice post. I just stumbled upon your weblog and wanted to
say that I've really enjoyed surfing around your blog posts.
In any case I will be subscribing in your rss feed and
I hope you write again soon!
BHW
چهارشنبه 30 فروردین 1396 02:18 ق.ظ
I am regular visitor, how are you everybody? This piece of writing
posted at this web page is in fact pleasant.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر